كان لها لونها الخاص
الجميل، يملؤها التفاؤل.. تنظر إلى الأمور
بعيون ملؤها الخير ، مؤمنة بالله والأهل.
وما كان ذلك ليكون سوى لأن لها نفسا خيرة ،
تفاجئنا كثيرا بمصطلحات لم نألفها... معبرة،
ولكن لم نألفها ، فتكتسب لغرابتها وتأثيرها
بعدا جميلا أخاذا، حتى و إن كان المصطلح لا
يوحي به.
في
يوم من الأيام وجدناها تكرر كلمة "اسرحلك"عندما
لا يعجبها حديث ما ،تقولها بتمنع
جميل وبابتسامة خجل رائعة.. وسألتها ما
معنى اسرحلك..
تقول
ببساطة أنها كلمة يرددها
أخوها كثيرا ، وهي من كلمات عدة
يستخدمها هو وأقرانه في حديثهم غير ذي
الكلفة، وهي بالشرح الوافي تقال بمعنى
الاستنكار وفي بعض الأحيان في الاستهزاء
بحديث ما، أو إبداء عدم الاكتراث بقائل
الحديث..
في
البداية أعجبتني الكلمة ، ولكن
بعد ذلك أصبحت أحذرها من تكرارها معي،
فباتت تفعل ذلك فقط عندما تريد المشاكسة.
وما
أكثر الأوقات التي كانت تريدها فيها..
رغم التقائي بها
يوميا لم ألتفت ساعة إلى ملامحها، فذلك
النوع من الشعور يرقى إلى مستوى التقديس ..حيث
تصبح الروح هي هدف العين ..
لم
أنتبه يوما بمفردي إلى تلك العينين
السوداوين ، ولا إلى خصلات من شعرها الأسود
الحالك التي تخدع حجابها الرقيق فتنسدل علي
ناصيتها..
انتبهت
إلى ذلك فقط عندما تردد هي بنفسها ألا سواد
عين كما لسواد عينها ، وألا ظلمة ليل حالم
كما لشعرها.. لافخرا أو زهوا - في أغلب
الأوقات- بل ترديدا
لما يتسلل إلى سمعها من همسات الأخريات عن
هذه المحاسن وما أكثرهن !!
ما تشعر به في أوقات
عصيبة من مشاعر سوداوية طاحنة ، هي حكر لها
دون غيرها. وأجزم أن كل ما وصلني من تعبير
مادي عن بعض تلك المشاعر هو أصوات دموع
مختنقة خدعتها وسمعت دون أن تشعر.
ولها
في ذلك تفسير يكمل ما تحتاجه الصورة
الصحيحة عنها ، فهي لا تريد أن تفسد ببوحها
بتلك المشاعر ما يقتنصه الآخرون من لحظات
مرح ، وكفاها بما يختلج في صدرها.
وإن
كنت محظوظا لاختصاصها لي ببعض تلك الأمور
دون غيري وهو أمر وإن حدث فإنه يعد أمرا
خارجا عن صفاتها المعهودة
.
حملت لي الأيام مفاجأة ملقاها ، والأيام عندما تحمل
لأحدنا ما يطيب له يشعر وكأنه ملك العالم،
وألاّ سعادة تفوق سعادته.....
ولكن
هذا السلوك ليس من خصائص الأيام، وسوف يأتي
موعد لا تخلفه.. موعد تتشفى فيه الأيام فيمن
أسعدت ، ويعجز العقل عن تصور الحال عندما
يفقد الملك عرشه... ولكن من له نفس متشائمة
أو قل واقعية لا يكف عن طرح هذه التساؤلات ..
هل
سيأتي يوم الفراق ؟
يوم
لا يراها فيه .. يوم لا يسمع صوتها فيه ..
يوم
لا يحكي لها فيه .. يوم لا تسمع له فيه ..
هنا
، يكره صاحب النفس نفسه... لأن جواب تلك
التساؤلات هذه المرة لا يملكه أحد فيهما .
وتتداخل
الأشباح، وكل يطمع في دور يؤديه، وتخلق
كيانات ما كانت
موجودة ، ولكن ظروفا اجتماعية حجزت لها
مكانا مقدما.
وتختفي
اختيارات الحلول.. ويأتي دور المسكنات
الوهمية. وتبرز أهمية الطائرات في البعد عن
عجزالاقتراب.. ويتمني لها كل الخير.
ويكتفي
صاحب النفس باتخاذ القرارات في الشيء
الوحيد الذي يملك والذي تعجز سائر الكيانات
عن التحكم فيه... ويدوي صوت منير في أرجاء
نفسه وهي تسمع قائلا .." قلبي في هوا كي حر
".. وتكون معه.. ويكون معها .. حتى وإن قال
له يوما لسان حال الأيام .. اسرحلك.