خريف
كم هي جميلة تلك اللحظات التي أكون فيها بين اليقظة
والنوم..ودفئ الغطاء يغمرني يجعل النوم أكثر لذة واليقظة
أكثر صعوبة..فأغفو ثانية
***
الجو بارد وأنا أحاول أن أدفئ يدي من البرد لكن القلم لا
يفارقها حتى أنني مللته وقمت أفتح النافذة وأنظر…الأنوار
خافتة والسكون تقتله أوراق تسقط في هدوء..إنه
الخريف..هدوء الشارع لا تلبث أن تعكر صفوه صوت سيارات
مسرعة كأنها العمر
وأنا أحاول التركيز وأرفع رأسي للسماء المظلمة وأقوم
بإعادة بعض الكلمات الكثيرة..وعندما دقت ساعتي بتلك
الرنتين الصغيرتين تعلن أنها منتصف الليل نظرت إليها
وابتسمت لحظة..فقد انتهى الآن العقد الثاني من حياتي
بأكمله وبدأت العقد الثالث من حياتي بابتسامة..ولم أكن
لأفعل أكثر من ذلك..فعدت إلى المكتب مرة أخرى أداعب
الكتب لأن غدا امتحان
***
بالفعل لم أستطع أن أجد لهذا السؤال إجابة فنظرات
الممتحن لم تكن لتمنحني لحظة لاستجماع شتات أفكاري التي
بددها هو بأسلوب أسئلته المريب
فالسؤال تلو الآخر كالصواعق تترى وأنا أتفاداها ببراعة
إلى أن صعقت فزميلي عصام ابن دكتور العظام لم تتجاوز
الأسئلة الموجهة إليه أكثر من الاطمئنان على حال والده
لقد كانت لحظات عصيبة ومكدرة بالفعل وأعتقد أنها أفنت من
سعادة عمري الكثير ومما تبقى مني الأكثر..لكني لم أتذكر
من تلك اللحظات أي شيء وأنا أحصل على شهادتي في الطب
البشري بتقدير لا داعي ذكره
و ها أنا وضعت الشهادة في حجرتي المتواضعة المكونة من
سرير وحيد ومكتب وحيد
صورة تخرجي الجميلة على المكتب والشهادة فوقها وأنا على
السرير ملقى أنظر إليهما وحسب حتى غالبني النعاس..وكأني
أفقت من كابوس طويل
فجوة كبيرة..لا أتذكر ما حدث بعد ذلك لكن أمواج الحياة
تقاذفتني بلا حدود كعادتها..بصعوبة أستجمع صورا لأناس
كثيرين مروا علي بثوبهم الأبيض..اضطهدوني
مواقف من شدتها لم أعد أتذكر منها سوى اللون الأحمر يملؤ
يدي وأنا في ورطة كبيرة..كالمعتاد
إلا أني أبتسم..وكأن الابتسامة محفورة في ملامحي وبلا
أدنى سبب
لقد تخطيت كل هذا وشعرت لأول مرة أنها طريقتي في
الحياة
ولكن ما الحياة؟!نسمة هواء بارد تجتاحني أم ماذا؟!وأخيرا
أفقت
***
ماذا هناك ؟ الجو بارد والنافذة مفتوحة..وهي نائمة
بجانبي لا تصحو..يا إلهي لم أعتقد أني أنا الذي سأصحو
ذات ليلة على صوت بكاءه..طفلي كأنما الملائكة تقفز من
عينيه عندما يداعبني
نعم يداعبني ولست أداعبه فلم أشعر لحظة أني وهبت له
السعادة..إنما هو من وهبها لي..وهرعت إليه فحملته كباقة
ورد أهديت لي من السماء وأخذت أهدئه حتى نام..وأدركت أنا
أنه الحياة..ونظرت من نافذة الغرفة فوجدت أوراق
تسقط..إنه خريف آخر مني
ونظرت إلى طفلي وتساءلت ترى كيف سيكون خريف العقد الثاني
من حياتك يا صغيري
وحملت عبئي الثقيل مرة أخرى..ابتسامة
"تمت"