...إسرحلك
ممتعة هي لعبة تحليل
الشخصيات ألا تعرفها ؟ .. هاك يا سيدي تفصيلها
ولا تعجب ، فمحدثك بارع في أصولها وقواعدها.
إن
لعبة تحليل الشخصيات بدعها في الأصل إنسان
عجز عن قتل الوقت فأخذ يقضيه في إعمال عقله
بتحليل مواقف يومه المتعددة التي مر بها ، مع
الناس الذين التقي بهم ، هكذا بدأت ، مجرد
قضاء وقت في نوع جديد من الألعاب .
وتطورت
اللعبة كعادة كل اللعبات، فأصبح يحاول قراءة
ما يدور في نفس كل من يقابل، ويضع على أساس ما
استنتج من هذه المقابلات تصوراً داخليا لذاك
الشخص ، وهكذا يعلم ما لا يعلم من المقابلات
العادية.. فيأخذ حرصه في أحيان كثيرة حين
يكتشف ما يفضل للإنسان الخير ألا يكتشفه حتى
لا يصدم بالآخرين.
قابلتها
لأول مرة حين كنت في إجازة ( مفتوحة ) من هذه
اللعبة الحمقاء ، بعد أن صدمتني بأكثر مما
يتحمل أمثالي. فقد اكتشفت أن هذه اللعبة قد
تحول الإنسان الذي رغب في لهو ( بري ) لا رجس
فيه ، إلى إنسان مثواه الوحيد هو مكان لا
يسوده إلا اللون الأصفر!! وحرصا مني على أن أظل
محتفظا بما تبقي لى من عقل وإيمان.. اخترت
وأنا بكامل قواي العقلية
أن اكف عن هذه اللعبة إلى حين معلوم .
لم
ألعب معها هذه اللعبة ، التزمت التعامل
التلقائي دوما أسلوبا معها، فلقد عرفتها وسط
زمرة من الزملاء لا يميزها عن الباقين شئ.
والحق أني لم أعمل عقلي لاكتشاف ما يميزها .
ولماذا أفعل وقد كان اختياري أن أعامل الناس
بما تقضيه المواقف أو من وراء حجاب.. فلا حاجة
لي لاكتشاف النواقص أو الكوامل فيهم .
كل
عام وأنت بخير ، عقبي لمليون عام...
هكذا
قلت لأحد أصحاب عيد الميلاد الذي أقامه
للاحتفال بهذه المناسبة ستة تصادف أن تكون
ذكرى أعياد ميلادهم قريبة من بعضها فاتفقوا
على أن يحتفلوا به في يوم واحد... وكانت منهم.
وكنت
قد قررت ألا ابتاع لأحدهم هدية لكثرتهم فهذا
الأمر يتطلب ميزانية لا قبل لي بها لانهم كثر
، ولم أفعل ما فعله أغلب الحضور حيث قاموا
بشراء هدايا للجميع ،ولكنها كانت في معظمها
عبارة عن كروت صغيرة وتذكارات تكاد تتطابق
وقد عزفت عن مثل هذا العمل لانه لا يرضي ما
تتوق له نفسي دائما وهو القيام بالعمل على
أحسنه فإن لم أستطع فعدم القيام به على
الإطلاق يصبح الحل المنطقي الوحيد الباقي
أمامي .
وقد
حاولت منعا للقيل والقال أن امتنع بشكل مستتر
عن المشاركة فيما تحمله المائدة مما يميز تلك
المناسبات. كأن يقال مثلا ما لهذا الذي
يشاركنا الطعام ولا يهادينا بما تتطلبه هذه
المناسبة. والحق أن أحدا لم يلاحظ هذا وأن
أحدا لو لاحظ ما كان ليقول ذلك، ولكنها النفس
التي تأبى أن توضع في مثل هذا الموقف.
وسارت
الأمور بما يوحي بانقضاء هذا اليوم بشكل
طبيعي ...
ولكن
هذا لم يحدث !!!
عندما
شارف الحفل على الانتهاء شرع الحضور بتوديع
أصحاب الحفل بعبارات التهنئة المعهودة، وجاء
دوري لفعل ما يفعلون حتى أدركتها فقلت:
كل
عام وأنت بخير .
وجاء
ردها بعفوية مطلقة...
وأنت
بخير وشكرا على ...
وأقضمت
لوهلة قبل أن تتذكر أنني لم أجلب لها هدية
كالباقين، ثم أردفت بتلعثم يجمع بين الخجل
والتعجل...
شكرا
لك على قدومك وكل ما قمت به.
كان
الممكن أن يمر الموقف بلا أية وقفة " ذهنية
" فيه فقد اعتاد لسانها مع توالي المهنئين
على رد التهنئة والشكر على الهدية فكان
جوابها - وبحكم العادة
- كما كان، إلا أنني لاحظت في
كلامها الأخير..
"
قدومك وكل ما قمت به " معاني أخرى استوحيتها
من أسلوبها في قوله.. لاحظت فيه صدقا واضحا لا
مجرد استدراك لخطا
كادت تقع فيه. صدقا فرض نفسه على حالة عدم
إعمال العقل بما يتعلق بالأخرين التي كنت أمر
بها لقد أحسست أنها تعني ما تقول ، وأن قدومي
لعيد ميلادها وجد من نفسها
ما يستحق الشكر عليه.
ومما
لا عجب فيه ،أنني لم أسمح لمثل هذا الموقف أن
يأخذ مني بالا أكثر من تلك الدقائق التي
ساورني فيها ذاك الشعور.
أراها
في كل يوم، وانتبهت دون عمد أن المعاملة التي
تلقاها ممن حولها، مختلفة عما
يلقاها غيرها من نفس الأشخاص، والسمة
المشتركة فيما تلقاه من الآخرين في المعاملة
هي درجة الاحترام الرفيعة حتى في الهزل.
وقد
يكون ذلك طبيعيا في حالة الذين عرف عنهم حسن
الخلق ،ولكن ما يستدعي الاستعجاب منه،يكمن
فيمن سواهم ممن عرف عنهم عكس ذلك،
فلو
تصادف الأمر وجمعها معهم حديث عابر أو صدفة ما
،تجدهم وقد تغيرت ألسنتهم وزانوا الكلام على
نحو يدعو المرء للاستغراب.فكيف يعقل أن فلانا
ممن هجروا الحياء يتحدث بهذا الأسلوب ذي
الأدب الجم . ولا أنكر أنها هي الوحيدة السبب
وراء ذلك، وقد تأكد ذلك حين اجتمعت معها في
أكثر من مرة ،
ولاحظت
أسلوبها الرصين المتزن عندما تشترك في الحديث
عن موضوع ما،أضف إلى ذلك هذه الدرجة العالية
من الوعي في الأفكار التي تطرح ،والتي في جزء
كبير منها أجدها متطابقة مع أفكاري شخصيا،بل
يمتد هذا التطابق في الأفكار إلى التوحد
تقريبا في الذوق العام . وقد زاد عجبي من هذا
التوحد حين عرفت أنها تهوى ذلك النوع من
الموسيقى الذي يبدعه مطربي الأول والأخير ،
وأن إعجابها بمحمد منير يمتد مثلي تماما إلى
فكره و شخصيته لا فنه فحسب.
وأكاد أجزم أنها أول من تعرفت عليه في
مكان التقائنا ممن يهوون منير إلى هذه الدرجة
،وهذا يؤكد بالنسبة لي على الأقل أنها تعي
جيدا ما يقال،وتزن الكلام وتحترم من يفعل ذلك.
-
أهلا بك ..لقد اشتقت إليك كثيرا.
قالت
لي بعد أن حالت بعض الأمور دون التقائنا لفترة
وجيزة من الأيام . لماذا قالت ذلك؟! هل أدركت
أن هذا الإنسان - رغم عدم معرفتها به جيدا -
يشاركها في أشياء كثيرة مما يستدعي الاشتياق
له إن غاب يوما أو بعض يوم؟
وإن
كان كذلك ، فكيف عرفت هذا والحوار المباشر
بيننا كان في أضيق الحدود؟؟!..
هل
تراها هي الأخرى تهوى ذلك النوع من الألعاب
فعرفت ما لا يعرف من المقابلات العادية؟..لست
أدري . ولكن ما أنا على يقين منه ، هو أنني أيضا
كنت في اشتياق كبير لرؤيتها والحديث معها .
فلقد كنت أحس في ذلك متعة لا توصف، متعة
مصدرها وجود انسانة ذات وعي أحدثها بصدق
وتفعل ذلك هي الأخرى دون نوايا في كلينا
تضمر أحاسيس من تلك التي عادة ما تجمع بين شاب وفتاة
كالحب الذي أعافه ، أو منفعة من التي أكره.
إنه
التعامل الصادق المريح الذي أرغب دون عقد، بل
انه التعامل الذي يشيع في النفس راحة جمة..
تعاملا يسمح لعقلي أن يتكلم دون أن يضيع كلامه
في أحضان أذان لا تسمع.. وعقول لاتعقل،
وبالتالي ردود أفعال تثيرني، لأنها تدل على
وحدة قاسية، يزيد من قسوتها أنه لا يوجد
ما يصطبر به عليها .
-
وأنا أيضا لو تعلمين.
مرحى…
مرحى … لم يعد الوحيد وحيدا ، فها هو يقضي
أحلى ساعات يومه عندما يكون في صحبتها يحكي..
فتسمع.. وتدرك وتشارك ، وكأنه يسمع نداء
السماء له :
"
هاك ما ترضى يا حبيس العقل ، صداقة هي لك ملاذ
من عمى الناس .. بل تزيد، فهي
المثال الذي حلمت به.. يريحك حديثها بعد أن
أهلكك الصمت، يؤنسك وعيها بعد أن أوحشك
الغباء ..خذها صداقة لا أحلى ولا أجمل
.."
صداقة
!! يا لقصور الكلمة ! ماذا تكون الصداقة عندما
توازن بما أ شعر به ، فما أ شعر به هو إحساس
عجيب ، بل أكاد أجزم أنه نوع فريد من المشاعر، نوع لا أحسب أنه من الطبيعي أن يحدث
للإنسان في عمره أبدا ، وإن حدث فسيكون لمرة
وحيدة ولن يتكرر .
إنها
تتملك عقلي وروحي يوما بعد يوم بنهج لا يقاوم،
وأكره أن يقاوم لقد تعدت مرحلة الصداقة دون أن
تمر عليها، ووصلت إلى ما هو أرقى في وجهة نظري..
وأصبحت ودون أن أشعر ....
توأمي
النفسي.
نعم ، توأمي النفسي،
وإلا فماذا يطلق على تلك السعادة العجيبة
التي أحسها لمجرد رؤيتها أو سماع صوتها ، ماذا
يسمى إحساسي بأنني لا أريد شيئا آخر في حياتي
عندما أكون في صحبتها.. وحتى إن لم أكن معها في
مكان واحد، أجدني اختلقها وأحكي لها ما أريد ،
وترد علي ارتاح وامرح وكأنني في جنة
الخلد مع الخالدين .. ولكن …
ألا
يكون ذلك هو ما يطلقون عليه اسم الحب ؟
أكاد أجزم أن أساس الراحة
في الركون إلى ذلك الشعور أنه ليس الحب
بالمعنى المتعارف عليه، وكلانا يدرك ذلك
جيداُ ولا يجد في نفسه حرجا من أن يناقش أمورا
مثل تلك مع الآخر ، يقينا واطمئنانا فذاك
الشعور هو كما ذكرت ليس إلا التوأمة النفسية ،
وكيف يشعر أحد التوأمين بمشاعر الحب
التقليدية تلك تجاه الآخر؟ أمر غير منطقي ولا
يستقيم مع الحالة التي شرحت.
ومن
مآثر ذلك الشعور أننا لم نجد غير اثنين لهما
القدرة علي فهمه والغوص فيه ، وترجمه معانيه..
والإحساس بعد ذلك بروعته وجماله..
أنا
وهي.... فأكثر القوم لا يعقلون … يا لفقرهم
! !